-->

جاري تحميل ... maousou3a

إعلان الرئيسية

ticker

إعلان في أعلي التدوينة

 


لقد شرع الله - تبارك وتعالى - الزواج للحفاظ على الأخلاق والنسل؛ لكي لا تختلط الأنساب وتُنتهك الأعراض؛ فإن الزواج أفضل طريق لاستنفاد طاقة الإنسان الجنسية المتجددة، ووسيلة لتنظيم الفطرة والغريزة، التي أودعها الله في الإنسان، حتى يحقق غاية استخلافه في الأرض، والسير بالحياة في مجال الخير والإصلاح، فليس أضر بالأمة ولا أفتك بها، ولا أسرع إلى خرابها من انتشار الفسق وترك الحبل على الغارب للمجرمين، فسدًّا لهذا جعل الله الزواج من سنن المرسلين، وجعله واجباً على من خاف على نفسه من الوقوع في الزنا، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ)) (1).
ثم إنَّ الإسلام قد حثَّ الرجل المسلم على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها شريكة حياته، وهي التي سوف تربي أولاده، وهي نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، إذ أنعم بها على الذكر، وكذلك أنعم على الأنثى بالذكر، قال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} (2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) (
3).
فينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، فلا يكون همه الجمال وحده، فقد تكون هذه المرأة سببُ تنغيصٍ وشقاوةٍ على الإنسان، ومن ثم ينشأ أولاده على: الفسق، والعصيان، وسوء الأخلاق، أما المرأة الصالحة، فهي تربي أجيالاً صالحين، وقد أرشد إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أنها خير متاع، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)) (
4). أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة. ولله در من قال:

سعادة المرء في خمسٍ إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده

وزوجة حسنت أخلاقها ... وكذا خلٍّ وفيٍّ ورزق المرء في بلده (5)

والمرأة الصالحة خير كنز للإنسان المسلم، وهي أغلى من كنوز الذهب والفضة، فهي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله، وإذا أقسم عليها أبرته، فعن عبد الله بن سلام قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((خيرُ النِّساءِ مَن تَسُرُّكَ إذَا أبْصَرْتَ، وتُطيعُكَ إذا أمَرْتَ، وتحفَظُ غَيْبتكَ في نَفْسِهَا ومالِك)) (
6)، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: من تسرك إذا أبصرت: كناية عن جمال الخلقة ونظافة الملبس، وكمال الزينة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: وتطيعك إذا أمرت: كناية عن طيب عنصرها، وحسن تربيتها، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك: كناية عن قوة دينها وصدق إيمانها بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وحُقَّ لمن توفَّرت فيها هذه الصفات أن يصفها الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - بأنها خير النساء.
والزوجة الصالحة فيض من السعادة، يغمر البيت ويملؤه سروراً وبهجة، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى الله خَيْرًا له من زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ: إن أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عليها أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عنها نَصَحَتْهُ
في نَفْسِهَا وَمَالِهِ)) (7).
وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مِنَ سعادةِ ابن آدَم ثَلاثة، ومن شَقاوة ابنِ آدمَ ثلاثة: مِن سَعَادةِ ابنِ آدم: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالمركب الصَّالِحُ، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدم: َالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوء، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ)) (
8). ولفظ ابن حبان في صحيحه: «أربعٌ مِنَ السَّعادة: المَرْأة الصَّالِحَة، والمسكَنُ الواسِع، والجَارُ الصَّالِح، والمَرْكب الهنيء، وأربعٌ من الشّقاوة: الجَار السُّوءُ، والمرأة السُّوءُ، والمسكن الضيِّق، والمركب السُّوءُ» (9).

ولفظ الحاكم: «ثلاثٌ مِنَ السَّعَادة، وثَلاثٌ مِنَ الشّقاوة: فمِنَ السَّعادة: المرأةُ تَرَاها تُعْجِبُكَ، وتَغيْبُ عنها فتأْمَنها على نَفسِها ومالِكَ، والدَّابةُ تكونُ وطيَّة فتلحقُ بأصحابِكَ، والدَّارُ تكونُ واسعة كثيرة المرافق.
ومن الشقاوة المرأة تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً فإن ضربتها أتعبتك وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق (
10).
وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من رَزَقَهُ الله امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ على شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ الله في الشَّطْرِ البَاقِي)) رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد (
11).

والزوجة الصالحة هي سكن للزوج وحرث له، وهي شريكة حياته وربة بيته وأم أولاده، إن صلحت صلح الأولاد، وإن فسدت فسد الأولاد.
قال الشاعر:

الأمُّ مَدْرسَةً إذَا أعَدَدتها ... أعدَدتَ شعْباً طَيبَ الأعْرَاقِ (
12)

ومن أجل هذا رغَّب الإسلام في اختيار الزوجة الصالحة.
والصالحة: هي التي تحافظ على دينها، وأخلاقها، وعرضها، وتربي أولادها التربية الإسلامية.
قال الشيخ محمد بن سالم البيحاني رحمه الله في منظومته الرجزية:

وإن أرَدتَ العَيْشَ فِي وَدَاعةٍ ... فالتَمِسِ المَرأة ذاتَ الطَّاعِةِ
واحدة جميلة ذات شرف ... من أوسط البيوت لا من الطرف
تكون عوناً له في الحياة الحلوة ... لزوجها في حقله والخلوه
قارئة كاتبة وصانعة ... في بيتها جامعة ومانعة

وبالقليل والكثير تكتفي ... وللنساء المؤمنات تقتفي
منزلها في غاية النظافة ... كأنه الجوهرة الشَّفَّافة
أثاثه مرتب ترتيباً ... به تسر الأهل والغريب
ولا تمنّ بالذي تعمله ... والمستحق لبرها تصله (
13)

روى النسائي وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خَيْرُ النِّساء مَن إذَا نَظَرْتَ إليْهَا سَرَّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطَاعَتْكَ، وإذا أقْسَمْتَ عليْهَا أبَرَّتْكَ، وإِذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِك)) (14).
فهذا تحديد ووصفٌ للمرأة الصالحة وأنها الجميلة المطيعة البارَّة، الأمينة، ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة الصالحة المخطوبة: أن تكون من بيئة كريمة، معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية؛ فإنها أجدر أن تكون حانَّة على ولدها، بارة بزوجها، عابدة لربها. فقد خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّ هاني، فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ
الْإِبِلَ صالحُ نِساءُ قُرَيشٍ، أَحْنَاهُ (15) على ولَدٍ في صِغرهِ، وَأَرْعَاهُ (16) على زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ)) (17).
وطبيعة الأصل الكريم أن يتفرع عنه مثله. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ إذا فَقُهُوا)) (
18).
فالمنبت الحسن يخرج نباته حسناً، والمنبت السوء لا يخرج إلا سوءاً والعياذ بالله، والغصن كما قال القائل من منبته.
وكما أن الزوجة سوف تكون ربةً لبيت الرجل، وتكون راعية في بيته، ومسؤولة عن رعيتها، كما ورد في السنة عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ)) (
19).

فحريٌّ بالمرأة الصالحة التي تراقب الله أن تحافظ على أولادها، وعلى بيت زوجها، وكل ما يختص به من شؤون البيت ورعاية الأولاد، فهي تعلم أن طاعة زوجها من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهي تُنَفِّذ أمر الله وتطيع زوجها في غير معصية الله تبارك وتعالى.
وعلى المرء أن يبحث عن الزوجة الصالحة، ويسأل الخالق الذي يعلم الغيب ويعلم ما تُكنُّ الضمائر، أن يرزقه زوجةً صالحةً، وأن يكون أكثر دعائه {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} (
20).

والخلاصة أن من أسباب صلاح الذرية ما يأتي:
1 – التأكد من صلاح الزوجة في دينها وحسن خلقها، وأن تكون ودوداً ولوداً.
2 – التأكد من صلاح الزوج في دينه وخلقه، وأمانته.
3 – التأكد من صلاح أبوي الزوجين، وأولادهما: إخوة الزوجة، وإخوة الزوج؛ لأن أخلاق الوالدين وأخلاق إخوة الزوجين لها تأثير على أولاد الزوجين؛ لأن هذه الأخلاق تورث كما يورث الشَّبه في الغالب؛ ولأن العرق دسَّاس، وكذلك ينبغي أن يتَّصفوا بالسماحة، والشجاعة، والكرم، وحسن الخلق.
4 – الدعاء عند الدخول وبعده؛ لحديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن قُدِّر
بينهما ولدٌ لم يضره شيطان أبداً» (21).
5 – أن يكون الأبوان قدوة صالحة لأولادهما.

 

(1)        أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... )) برقم 5065، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم 1400.

(2)        سورة النحل، الآية: 72

(3)        أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، برقم 5090، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب نكاح ذات الدين، برقم 1466.

(4)        أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، رقم 1467.

(5)        من كتاب بناء الأسرة المسلمة، الحلقة الثانية، حسين محمد يوسف

(6)        أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (9/ 456 رقم 429)، والحاكم في المستدرك (2/ 175 رقم 2682)، والطيالسي في مسنده، برقم 2325، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3299.

(7)        أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب أفضل النساء، برقم 1857،

(8)        ) أخرجه أحمد في مسنده (1/ 168) وابن حبان في صحيحه (9/ 340 رقم 4032)

(9)        ابن حبان في صحيحه (9/ 340، برقم 4032)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 403، برقم 1914): «صحيح».

(10)      أخرجه الحاكم (2/ 162)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 403 رقم 1915): «حسن».

(11)      أخرجه الحاكم (2/ 175 رقم 2681)، والطبراني في الأوسط (1/ 294 رقم 972)، والبيهقي في شعب الإيمان (4/ 383 رقم 5487)

(12)      هذا البيت من بحر الكامل، وينسب إلى حافظ إبراهيم، شاعر مصر القومي، ولقب بشاعر النيل، عاش يتيماً، اشتهر شعره ونثره، وفي شعره إبداع امتاز به عن أقرانه، توفي بالقاهرة سنة 1351هـ.

(13)      منظومة البيحاني في تربية البنين (ص 5).

(14)      أخرجه النسائي في الكبرى (5/ 310 رقم 8961)، والطبري في تفسيره (5/ 60)، والطيالسي في مسنده برقم 2325، والديلمي في مسند الفردوس (2/ 181 رقم 2912)، والحاكم (2/ 175 رقم 2682، 2683) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حزم في المحلى (10/ 334): هذا خبر صحيح.

(15)      أحناه: أكثر شفقة.

(16)      أرعاه: أحفظه وأصون في ماله.

(17)      أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب إلى من ينكح برقم 5082، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل نساء قريش، برقم 2527.

(18)      أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: (يا أيُّهَا النَّاس إنَّا خَلَقْنْاكُمْ)، برقم 3493، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة، برقم 2638/ 160.

(19)      أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم 893، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ... برقم 1829.

(20)      سورة البقرة، الآية: 201.

(21)      مسلم، كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع، (رقم 1434).

التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال